كسر الجمود في قيادة عملية كيمبرلي: دعوة للدول للتحرّك العاجل
نُشِرَ على قناة CNBC أفريقيا: يوم الاثنين، 6 أكتوبر 2025
على مدى أكثر من عشرين عاماً، شكّلت عملية كيمبرلي نموذجاً يُحتذى به في التعاون الدولي متعدد الأطراف، حيث لعبت دوراً محورياً في حماية تجارة الماس من استخدامها في تمويل النزاعات المسلحة، وساعدت على ترسيخ ثقة المستهلكين، وحماية الدول الإفريقية المنتِجة، وساهمت في منع وقوع أحد أثمن لموارد في العالم بين أيدي أمراء الحروب.
هذا الإنجاز بات اليوم مهدداً بالتراجع. فرغم أن ثلاث دول أبدت استعدادها لتولي رئاسة عملية كيمبرلي، إلا أن الخلافات السياسية حالت دون التوصّل إلى توافق بشأن الرئاسة لعام 2025. وقد تولت دولة الإمارات العربية المتحدة مهام الرئاسة بصفة مؤقتة للحفاظ على استمرارية عملية كيمبرلي، غير أن هذا الإجراء المؤقت لا يمكن أن يستمر إلى أجل غير مسمى. وفي ظل غياب قيادة منتخبة، تُواجه عملية كيمبرلي خطر فقدان دورها وتأثيرها في وقتٍ يشهد فيه النظام الدولي ضغوطاً وتحديات غير مسبوقة.
رهانات عالمية وتأثير إفريقي
تأسست عملية كيمبرلي لضمان ألّا تتحول تجارة الماس مجدداً إلى وقود للنزاعات والحروب في القارة الإفريقية. واليوم، يوجّه العجز عن التوصل إلى اتفاق حول القيادة إشارة خطيرة مفادها أن المصالح الجيوسياسية طغت على المسؤولية الجماعية المتمثلة في حماية الاستقرار في المناطق الهشّة. كما أن مصداقية نظام الشهادات المعترف به من الأمم المتحدة أصبحت على المحك.
وفي نوفمبر المقبل، من المقرر أن يجتمع الوزراء في دبي لعقد أول مؤتمر وزاري لعملية كيمبرلي منذ تأسيسها في إنترلاكن عام 2002. ولا يمكنهم مغادرة الاجتماع دون تحقيق تقدم ملموس في ثلاث قضايا جوهرية: أولاً، اعتماد تعريف محدّث للماس الممول للنزاعات، وهو موضوع ظلت مناقشاته متعثّرة لأكثر من عشر سنوات. ثانياً، الإسراع في تطبيق نظام الشهادات الرقمية وتعزيز آليات التتبع باستخدام الذكاء الاصطناعي. ثالثاً، التصدي للصلة المتجددة بين الماس وتدفقات السلاح، وهو تحدٍ يتطلب مزيداً من المراقبة واليقظة في ظل النزاعات المستمرة حول العالم.
من يجب أن يتولى القيادة؟
إن رئاسة عملية كيمبرلي ليست مجرد منصب رمزي، بل هي مسؤولية حقيقية وفاعلة. فالرئيس يقدم تقاريره مباشرة إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة ويضع أولويات العمل المتعلقة بثقة المستهلك، وضمان تطبيق القوانين التجارية، وتحقيق أثر التنمية. وتتطلب هذه المهمة دولة تتمتع بالقدرة، والحياد، والمصداقية المتميزة على الساحة الدولية.
عدة دول مؤهَّلة لتولي هذه المسؤولية
تتمتع الولايات المتحدة، بفضل تأثيرها الكبير في السوق وريادتها في حوكمة الذكاء الاصطناعي، بالقدرة على استعادة الزخم للعملية. أما الصين، فهي تمتلك القدرة والموارد التكنولوجية اللازمة لتحويل نظام الشهادات إلى الشكل الرقمي وتعزيز التتبع العالمي. وتبرز النرويج بفضل خبرتها في فرض العقوبات ومصداقيتها في مجال سيادة القانون، مما يجعلها حارساً طبيعياً لنزاهة النظام. بينما يمكن لسنغافورة، بصفتها دولة محايدة تعتمد على التكنولوجيا، أن تكون حلقة وصل لتقريب وجهات النظر. والأهم من ذلك، أن الدول الإفريقية مثل غانا، جنوب إفريقيا، أنغولا، أو موريشيوس، كل منها تتمتع بالشرعية، والقدرة الإنتاجية، وقوة الحوكمة، قادرة على ضمان بقاء أصوات المنتجين في صلب عملية كيمبرلي.
غانا كنموذج للقيادة الفاعلة
تبرز غانا كمثال واضح على ما يمكن أن تمثله قيادة موثوقة وذات توجه إصلاحي لعملية كيمبرلي. ففي غضون أشهر قليلة من عودة الرئيس جون دراماني ماها إلى السلطة في يناير، اتخذت البلاد خطوات حاسمة نحو تحقيق أولويات عمليات كيمبرلي، مثل تعزيز سيادة القانون، والتتبع الكامل للمعادن، وقطع الصلة بين المعادن والأسلحة. وقد قامت الحكومة بحظر مشاركة الأجانب في أسواق الذهب الحرفية، وتوحيد الرقابة تحت مظلة مجلس الذهب الغاني الجديد، وتشكيل فرق عمل مدعومة بالأمن، إضافة إلى تقديم مكافآت للمبلّغين للحد من التهريب. من خلال ربط خطط التتبع الرقمي بالإجراءات الإقليمية لمكافحة تهريب الأسلحة، تقدّم أكرا نموذجاً عملياً يرتكز على تحقيق النتائج، وهذا هو نوع القيادة التي تحتاجها عملية كيمبرلي المحدّثة بشكل عاجل.
حان وقت القيادة
تضم عملية كيمبرلي 60 مشاركاً يمثلون 86 دولة، وجميعهم يمتلكون القدرة على المبادرة وتحمل المسؤولية. فالمسألة ليست مجرد لقب أو مكانة، بل تتعلق بـالحفاظ على واحد من أكثر الأطر فاعلية للوقاية من النزاعات في الجيل الماضي. أما البديل، المتمثّل في التراخي والانقسام، فسيشكل تهديداً لسبل معيشة الأفارقة ويقوّض الثقة العالمية في تجارة الماس. لذا، يجب على الدول أن تتحرك الآن، ليس فقط لحماية عملية كيمبرلي، بل أيضاً لإثبات أن التعاون متعدد الأطراف لا يزال قادراً على تحقيق نتائج ملموسة حتى في زمن الانقسامات.

